سيتم تحويلك إلى موقعي www.omar-mahmoud.com خلال 10 ثوان يمكنك الضغط هنا للانتقال مباشرة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصصي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصصي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، ٢٦ أكتوبر ٢٠٠٧

الشيطان في العيادة النفسية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قصّة هي الأثيرة لدي .. فلنتفق أو نختلف حول جودتها الفنية هذا طبيعي .. أما عندما تتكلم الأرقام فلابد أن نتفق في أن القصة تلقى قبولاً كبيراً جداً لدى المتلقين

أترككم .. والحكم لكم

قصتي بعنوان

الشيطان يقلب عيشه

الشيطان في العيادة النفسيّة


: إهداء
: إلى الشيطانِ أقول
! إنَّ بعضًا من بني (آدمَ) يُثبتونَ يوميًّا أنّهم أكثرُ شيطنةً منك.. فيا خيبتَكَ الثقيلة


في عيادتي النفسيّةِ كانت لي تلكَ الأمسية:
بينما أنا جالسٌ أقرأ، تجلّت لي رُوحُ شيطانٍ متمرّد.. قلتُ له وأنا أشيرُ للشيزلونج:
استرحْ وتمدّد.. ماذا تُرى يؤلمُكَ يا سيّد؟
ها ها ها.. إهئ إهئ.
اخفضْ صوتَكَ لئلا تُطرد.. ما المشكلة؟.. أجبْني.. ليس عندي لك وقت.
المشكلةُ أنّي أدمنت.
أدمنتَ ماذا يا هذا؟.. حشيش أم كوكايين أم تُراكَ أدمنتَ الهيروين؟
يا ليتَه كان ذلك.. تلكَ ما كانت مشكلة.. كانَ حلُُّها بيعَ بعضِ الأفدنة.. ولكنَّ الطامّةَ الكبرى أنّي أدمنتُ العمل.
العمل؟!
نعم العمل.. هل لشقائي أمل؟
نعم.. الأملُ موجودٌ ما دامَ ربُّ العرشِ موجودا.
آها.. فما دليلُ وجودِ ربِّ العرش؟
دليلُ وجودِه أنت.
أنا؟!
نعم أنت.. أنتَ موجود، فلا بدَّ أنَّ خالقَكَ موجود.
ضحكَ واختفى من أمامي، وقال :
أنا الآنَ غيرُ موجود.. إذن فاللهُ غيرُ موجود.
ضحكتُ وقلت:
ولكنَّ صوتَكَ موجود.. إذن فأنتَ موجود.
سمعتُ صوتَ الصمت، وصوتًا في عقلي يقول:
هو الآنَ غيرُ موجود، وصوتُه غيرُ موجود.. إذن فاللهُ غيرُ موجود.
ردَّ صوتٌ من قلبي يقول:
ولكنَّ الأعمى الأصمَّ لا يحكمُ بعدمِ وجودِ مَن حولَه من الأحياء، وذلك لأنَّ هناكَ من الدلائلِ الكثيرَ على وجودِهم، وأيضًا لأنَّ...
صرختُ لأمنعَ مَن يتحدّثانِ من الكلامِ وقلت:
اتركا الوجوديّةَ وشأنَها، فما أنا بفيلسوف، ولكنّي طبيبٌ نفسيّ، ولا وقتَ لديّ للفلسفة.
هنا ظهرَ الشيطانُ، فقلتُ له:
أكملْ مشكلتَكَ علّني أحلُّها لك.
استلقى ثانيةً وقال:
كما ترى، لم أعُدْ أستطيعُ السيطرةَ على نفسي.. أوسوسُ في كلِّ وقت.. تراني أوسوسُ في نومي، في أحلامي، في يقظتي.. في كلِّ لحظةٍ أوسوس.. حتّى لم أستطِعْ أن أُمسكَ نفسي عنِ الوسوسةِ لك، على الرغمِ من أنّكَ الذي ستَشفيني.
الشافي هو الله.
أمتأكّدٌ أنتَ أنَّ الشافي هو الله؟.. منِ الذي يفحصُ المريضَ: أنتَ أمِ الله؟.. منِ الذي يصفُ الدواءَ: أنتَ أمِ الله؟.. من الذي يقبضُ الأتعابَ: أنتَ أمِ الله؟
هاه!.. عدنا من جديدٍ للوسوسة؟!
آسفٌ يا دكتور.. ها أنتَ ترى: لا أملِكُ حتّى نفسي.. أتصدّقُ أنّي إذا لم أجِدْ من أوسوسُ له، جلستُ بالساعاتِ أوسوسُ لنفسي؟!!
آه!.. عرَفْتُ الآنَ علَّتَك.. ولكي تُعالجَ من هذه المشكلةِ فأنتَ في حاجةٍ لجرعاتٍ مكثّفةٍ منَ الوسوسة.
ما أجملَه من علاج!.. ولكن يا دكتور من أينَ أحصلُ على هذه الجرعاتِ المكثّـفة؟
لديكَ أماكنُ كثيرةٌ، منها...
سيّدي.. لا تقُلْ لي: البيوت، المساجد، المصالحُ الحكوميّة، المواصلات، الشوارع.
لماذا، وهي من أهمِّ أماكنِ وسوستِك؟!
كانت يا سيّدي.. كانت.. أمّا الآنَ فلم تَعُدْ كذلك.
البيوتُ لم تَعُدْ مسرحًا لعمليّاتِك؟.. أتهزلُ أم ماذا؟
لا أهزل.. ولكنّي أتكلّمُ بكلِّ الجدّيّة.. وسأقنعُكَ الآن.. في الماضي كانَ بإمكاني أن أوسوسَ في ابيوتِ كما أشاء.. ولكنّي الآنَ لا أستطيع.. وذلكَ لأنّه لم يعُدْ فيها مَن أوسوسُ له!
وأينَ ذهبَ قاطنوها؟.. أينَ ربّةُ المنزلِ وأينَ الأولادُ وأينَ سيّدُ الدار؟!
ما هذه المصطلحاتُ البالية؟.. ربّةُ المنزل؟!!.. لم تعُدْ هناك ربّةُ منزلٍ عندما خرجتِ المرأةُ للعمل، ولم تَظلَّ امرأةً بل صارتْ رجلا، تُناطحُه في الحياةِ، وتستنكفُ عليه أن يكونَ رجلا وأن تكونَ هي امرأة، فلم تلبثْ أن هجمت على ملابسِه وانتزعتْها منه وارتدتْها ، ولم تعُدْ ربّةَ المنزل، بل صارت ربّةَ الأعمالِ أو (سيدةَ أعمال).. أمّا الأولادُ فقد هاموا في الشوارع، كلٌّ يبغي أن (يعيشَ حياتَه).. ومعنى أن (يعيشَ حياتَه) هو أن يتنكّرَ من أصلِه، فترى الولدَ مُطيلَ الشعرِ يلبَسُ السلسلة، وترى البنتَ تحلقُ شعرَها وتقصّرُه وتلبَسُ البنطالَ، فما تدري أهذا بنتٌ أم هذه ولد!!.. كلُّ هذا في جانب، وسيّدُ الدارِ في جانبٍ آخر.. أتصدّقُ أنّه ما إنْ أجتمع معه في مكانٍ وأبدأ معه في حوارٍ موسوسٍ، حتّى يصيبَني باكتئابٍ نفسيّ؟!.. فعندما أقولُ له:
أتتركُ امرأَتَكَ تُصافحُ هذا الرجلَ الغريب؟
يقولُ لي ـ تصوّر :
Take it easy.. لا تكُنْ متخلّفا!
وعندما أقولُ له:
من هذا الذي تمشي معه ابنتُك؟
يقولُ لي ببساطة:
(الـ Boyfriend بتاعها.. انت جاي منين؟!)
فأقول:
(Boyfriend.. Boyfriend.. لا مشاكل.. ولكن إلى أينَ يذهبانِ معًا؟
فيمطُّ شفتيه ويقول:
يتمشّيان.. يذهبانِ إلى السينما.. لا تفترضْ سوءَ النيّة.. إنّهما أصدقاء.
هذا يا سيّدي ما ينالُني منَ البيوتِ.. كلُّ ما ينالُني هو صداعٌ ووجعُ دماغ.
هذا عنِ البيوت.. فماذا عنِ المساجد؟
بالنسبةِ للمساجدِ فزوّارُها منذُ الأزلِ هم أفضلُ عملائنا.. ولكنِ الآنَ للأسفِ قلَّ عددُهم جدًّا.. وذلك لعدّةِ أسبابٍ، منها أنَّ المساجدَ الآنَ لا تفتحُ أبوابَها إلا أوقاتِ الصلاةِ فقط، ثمَّ تُغلقُ بعدَها الأبواب!.. ومن هذه القلّةِ التي تدخلُ لتصلّي مَن أستطيعُ أن أهمسَ له وأوسوسَ وأفسدَ عليه صلاتِه، ومَن لا أستطيعُ أن أفعلَ ذلكَ معه.. ففي مرّةٍ، ما إن همستُ لأحدِ المصلّينَ في بدايةِ صلاتِه بكلمةِ "الدكّان" حتّى سلّم.. واندهشتُ جدًّا: لماذا سلّمَ، وهو لم يبدأْ صلاتِه إلا من لحظات؟!.. ولكنَّ دهشتي انمحت، وحلَّ محلَّها التّعجّبُ عندما عرَفتُ أنّه انتهى من صلاتِه.. تصوّرْ أنّه انتهى من الصلاةِ قبلَ أن أُكملَ كلمةَ "الدكّان"!!
فماذا عنِ المصالحِ الحكوميّة؟
المصالحُ الحكوميّة؟!!.. ها ها ها.. هل تدري؟: عندما أنوي الذهابَ إلى أيِّ مصلحةٍ حكوميّةٍ آخذُ في اعتباري أنّني سأقعدُ لأوسوسَ للذبابِ والبراغيثِ والديدانِ، وأيِّ كائناتٍ حيّةٍ أخرى ما عدا البشرَ طبعًا!
لماذا؟.. هل يتركونَ أعمالَهم هم أيضًا، ويخرجونَ إلى الشوارعِ لكي (يعيشوا حياتَهم)؟
نعم يا سيّدي.. هناك من يفعلُ ذلك بالفعل.. والأدهى والأمرُّ أنَّ مَن يأتي للعملِ ـ وهم قلّةٌ ـ ينامون، فتبدو المصالحُ الحكوميّةُ للجاهلِ بها وكأنّها فندقٌ أُعدَّ خصّيصًا للنوم.. خلاصةُ القول: إنّني لا أجدُ بشريًّا واحدًا بعقلٍ واعٍ يسمحُ لي أن أوسوسَ له، ما عدا أولئكَ الذينَ (يُمشّونَ حالَهم)، وهؤلاءِ يوسوسونَ للشيطانِ نفسِه!.. أمّا عنِ الجمهورِ الذي يرتادُ هذه المصالحَ فقد (كبّرَ دماغَه)، وعرَفَ (ديّةَ هذا المشوار).. فمنهم من (يعملُ حسابَه في قرشينِ لزومَ تفتيحِ المخّ)، ومنهم مَن يُحضرُ زوجتَه والأولادَ منذُ الصباحِ الباكرِ ومعهم الغداء، ومنهم مَن لا يأتي أصلا، وهذا هو أشدُّهم (تكبيرًا للدّماغ).. هذا يا سيّدي عنِ المصالحِ الحكوميّة.. أمّا عنِ المواصلاتِ والشوارع...
لا.. لا تَقُلْ لي عنها، فأنا بها خبيرٌ أكثرَ منك.. فالشوارعُ قد ضاقتْ بالمارّةِ من كلِّ الأصناف.. هذا شابٌّ عابثٌ تتأبّطُ ذراعَه شابّةٌ طائشة، وذاكَ شيخٌ عجوزٌ متصابٍ يُعاكسُ الفتياتِ اللاتي من سنِّ أحفادِه، وهذا الذي يسيرُ بسيّارتِه بسرعةٍ جنونيّةٍ (ليعملَ خمسةً في آخرِ الشارع)، وهذه التي تلبَسُ قماشًا لم يُفصّلْ جيّدًا، فظهرتْ به رقعٌ في أماكنَ متفرّقة، وهذه التي بجوارِها، والتي تلبَسُ بنطالا يجبُ على من يريدُ أن يلبَسَه، أن يغمرَه أولا في قنطارٍ من الصابونِ ثلاثةً أيّامٍ بلياليها لكي يتمكّنَ من لبسِه.. ها ها.. إنَّ منظرَ الشوارعِ قد صارَ ككرنفال أو كسيرك كبير، كلُّ شخصٍ فيه يقومُ بدورٍ واحدٍ لا غير: يقومُ بدورِ المهرّج!!
لو سمحتَ لي يا دكتور (عمر).. دعْني أكملُ بدلا عنك، فالمواصلاتُ الآنَ بالنسبةِ لي أهمُّ الأماكنِ التي أمارسُ فيها نشاطي.. ففيها أتمكّنُ من الوسوسةِ لأعدادٍ غفيرةٍ في وقتٍ قصير.. هذا أدفعُه لكي يدوسَ على قدمِ ذاك، وهذا لكي يحتكَّ بتلك، وهذا لكي (يخمَّ الكمسري ويأكلَ عليه التذكرة).. إنّها لُعبةٌ ممتعةٌ، تلك التي أمارسُها في المواصلاتِ العامّة، وخاصّةً الأتوبيسات.
ها أنتَ قد حللتَ مشكلتَكَ بنفسِك.. (عليكَ وعلى الأتوبيسِ) ففيه علاجُك.. أسبوعٌ واحدٌ من العملِ في الأتوبيساتِ سيكفلُ لكَ ما تنشدُ منَ الراحة، وسيحُلُّ لكَ مشكلتَك.
نعم سيكفلُ لي الراحةَ الأبديّة!!.. هل تريدُ تعذيبي يا دكتور؟!!.. هل تعلمُ أنَّ اليومَ الذي أعقدُ العزمَ على قضائه في الأتوبيس، أعقبُه على الأقلِّ بأسبوعٍ راقدًا في سريري أُعالج؟!!
تعالج؟!.. ممَّ تُعالج؟!
منَ الكسورِ والرضوضِ ومنَ الصداعِ النصفيّ!.. إنَّ هذا اليومَ لا يمرُّ عليَّ بخيرٍ على أيِّ الأحوال.. وأنتَ تريدُ منّي أن أعملَ سبعةَ أيّامٍ في الأتوبيسات؟!!.. سبعةَ أيّامٍ كاملةً وسْطَ الأكوامِ المكوّمةِ منَ اللّحمِ المحشور!!.. إنّكَ تريدُ التخلّصَ منّي إذن!
إذن ماذا أفعلُ لك؟.. ألا تستطيعُ التحمّلَ ولو بعضَ الشيء؟.. لا بدَّ أن تتحمّلَ مرارةَ الدواءِ لكي تنعمَ بفائدتِه.
آسفٌ يا دكتور.. أعيشُ مجنونًا خيرٌ لي من أن أموتَ عاقلا!
لقدِ احترتُ في حالتِكَ هذه لا أجدُ لها حلا!.. [وطرقعتُ أصابعي] آه.
هه.. هل وجدتَ الحلّ؟
لا.. ولكن وجدتُ مَن سيجدُه لنا.
من هو؟
إنّه الدكتور (رشاد) أستاذي.. هيّا بنا نذهبُ لعيادتِه.
***
وذهبنا إلى عيادةِ الدكتور (رشاد)، وضغطتُ على الجرسِ حتّى نمّلَ أصبعي.. وأخيرًا فتحَ لنا البابَ الممرّضُ (عاطف) وهو يتثاءب، فقلتُ له وأنا أدخل:
أينَ الدكتور (رشاد)؟
ليس موجودًا.
أينَ أجدُه إذن؟
وصفَ لي العُنوان، فذهبتُ أنا والشيطان إليه، حيثُ استقبلتنا رائحةٌ نفّاذةٌ على الباب.
ودخلنا، ووجدتُ الدكتور (رشاد) جالسًا، فذهبتُ إليه.
وما إن رآني، حتّى أبعدَ الفتياتِ اللائي حولَه واستقبلني قائلا:
أهلا يا دكتور (عمر)..هئ.. تفضّلْ.. اقعد بجانبي.
جلستُ بجانبِه، ورحتُ أحكي له الموضوعَ بصورةٍ موجزة، ثمَّ سألتُه:
ما الحلّ؟
أجابني متسائلا:
أينَ هو هذا الشيطان؟
ها هو بجانبِك يا دكتور.. ذاك الذي تحتضُنه و تغمرُه بالقبلاتِ منذُ ما يَقرُبُ من ساعة.
عدّلَ النظّارةَ على عينيه، وبصقَ بجانبِه وقال:
اعذرني، فأنا ضعيفُ النظرِ كما هو واضح!.. آه.. الحلُّ الوحيدُ لك يا سيّدُ (شط شط) ، أن تقعدَ هنا بجانبي وتشربَ لكَ كأسينِ يُنسيانِكَ اسمَكَ وشغلَكَ، ويجعلانِكَ تسرحُ مع الغربانِ السوداءِ في الرحلةِ المشئومةِ لقصرِ الساحرةِ الشريرة!
ردّ عليه الشيطان:
Fantastic.. Wow .. غربانٌ سوداء.. رحلةٌ مشئومة.. ساحرةٌ شرّيرة.. متأكّدٌ أنتَ يا دكتور من هذا العلاج؟
جرِّب.. لن تخسِرَ شيئا.. اشربْ هذه الكأسَ الآنَ وقل لي ماذا ترى.
شربَ الكأسَ وقال:
..Wow أرى أمامي غرابًا.. لكنَّه أبيض!
إذن فخذ هذه الكأسَ الثانيةَ، وقلْ لي هلِ اسودَّ أم لا.
اسودّ ...الغرابُ اسودّ.. هيه!
تمام.. تريدونَ شيئًا آخرَ منّى؟
شكرًا يا دكتور (عمر).
الشكرُ لله يا عمِّ (شط شط).
متأكّدٌ أنَّ الشكرَ لله، ليسَ لأحدٍ آخر؟
الحقْ يا دكتور (رشاد).
ولحِقَ الدكتور (رشاد)، وأعطاه كأسًا ثالثةً، جعلته يسرحُ مع الغربانِ السوداءِ في مملكةِ التوهان.
وهنا تركتهما، بينما هما يتنافسانِ في الشربِ وعدِّ الغربان.
***
ورجَعتُ إلى البيت، فوجدتُ زوجتي بانتظاري بالموشّحِ اليوميِّ الذي يتغيّرُ حسْبَ الظروف:
أينَ كنتَ؟
في العيادة.
نفدَ المصروف.
يعدّلُها الله.
أينَ حقُّ كشوفِ اليوم؟
لم يكنْ هناكَ غيرُ كشفٍ واحد.. ومجانيّ!
مجانيّ؟!!.. يا خيبتَكَ الثقيلة!.. كشفٌ واحدٌ ومجّانيّ؟!!
المهمُّ أنّي نجحتُ في علاجِه، وقمتُ بمهمّتي المقدّسةِ على أكملِ وجه، ولم أحنثْ بقسمِ (أبوقراط).
دعْ (أبوقراط) ينفعُكَ حينما تتسوّل!.. الناسُ خيبتُها السبتَ والأحد، وأنا خيبتي ما وردت على أحد!
نفسُ الخاتمةِ اليوميّة، بعدَها تتركُني وتدخلُ المطبخَ، لتعدَّ لنا بيضًا مسلوقًا.
أف!
وضعتُ يدي على خدّي وهمستُ ـ لنفسي طبعًا:
الناسُ خيبتُها السبتَ والأحد، وأنا خيبتي ما وردتْ على أحد!
وأخذتُ أفكّرُ بجدّيّةٍ أن أتركَ البيتَ وأذهبَ لمجالسةِ الدكتور (رشاد) والشيطان، أفكّرُ معهما في الغرابِ الأسود ـ طبعًا أنا، والرحلةِ المشئومةِ ـ رحلةِ عمري، والساحرةِ الشريرة ـ زوجتي طبعًا بدونِ شكّ، وأتوهُ معهما في مملكةِ التوهان ـ الدنيا بالتأكيد.
ولكنّي أفقتُ على صوتِ الحرمِ المصونِ وهي تقول:
الغداءُ جاهز.
قمتُ وتناولتُ غدائي ـ طبعًا بيضًا مسلوقًا كالعادة.
***
بعدَها قمتُ لأنام، وحلُمتُ أنّ الحياةَ بعدَها صارت سلاما في سلام، ما دام الشيطانُ قد اعتزل، ولم يعُدْ يقدّمُ ولا يؤخّر.
صحوتُ من النوم، وأنا أعتقدُ أنَّ الخيرَ أصبحَ يملأُ الدنيا، ولكنّي صُدمتُ بالواقعِ:
الشوارعُ نفسُ الشوارع، والناسُ كما هي!
قلتُ:
إذن فالمشكلةُ ليستْ مشكلةَ شيطانٍ فقط.. هناك من هم أكثرُ من الشيطانِ بدرجات.. نحنُ!
وفي هذه اللحظةِ تذكّرتُ قولَه تعالى:
(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم).
***


.. انتهت القصة .. ولم ينتهي كلامي عنها
هذه القصة من أكثر أعمالي بركة فلقد قرأها الألوف من الناس حول العالم وانتشرت على الانترنت بأكثر من وسيلة فكان انتشارها واسعاً شاملاً .. حتى أنني قد أدخل موقعاً ما لأجدها منشورة هناك بواسطة أحد أعضاء الموقع وقد كتب أنها من تأليفي أو لم يكتب

أحد هؤلاء نقل قصتي في مدونته .. كتبت له تعليقاً أطالبه أن يكتب اسم صاحب القصة الذي هو أنا على القصة .. الراجل بكل صراحة يشكر حذف تعليقي وأيضاً لم يضف اسمي على القصة


قصتي كانت أحد محتويات كتاب "احتراف فيجوال بيسك دوت نت" للصديق والأستاذ محمد حمدي غانم وهذا الكتاب تم تحميلة حسب احصاء ثلاث مواقع تحميل فقط ما يقرب من 120000 مرة .. وتم نشرها في كتاب أدباء الإلكتروني الأول وحمل الكتاب اسم القصة "الشيطان في العيادة النفسية" وتم تحميلة قرابة 560 مرة وتم عرض القصة حوالي 1150 مرة وتم التعليق عليها ب 34 تعليق .. وكان تقييم القراء: 77 % ( عدد الأصوات:37)

قد يسألني أحدكم عن سبب كل هذا الكلام والإحصاء والجبر والحساب .. ما الذي أرمي إليه من هذا ؟

: سأخبرك

كنت اختلفت مع بعض الزملاء لي حول هذا العمل تحديداً .. فكان من رأيهم أنه ليس بالقوي .. بينما كان لي رأي آخر رأيي لم يستند إلى أنني كاتب العمل ولكن استند إلى حقائق الأرقام .. الأمر الذي جرنا في النقاش إلى مسأل الأكثرية الباطلة والقلة المؤثرة .. وأن مائة من الذين شكروا القصة لا يتساوون مع واحد من الذين قدحوها في الثقافة والنقد ... الخ

: نعم أنا أؤمن بهذا المبدأ تماماً (مبدأ الأكثرية والأقلية .. لكنه ها هنا لا يمكن تطبيقه لأنه

بلغة الأرقام السابقة لن تكون النسبة 1 : 100 بل ستصل إلى 1 : 1000 وها هنا يمكنني الجزم بأنه مهما بلغت ثقافة هذ (الواحد) لن تصل إلى مجموع الثقافات (الألف) لهؤلاء المتوسطي الثقافة

الكثير ممن علقوا بإيجابية عن العمل كانوا من مرتادي المنتديات الأدبية .. ومن القراء بصفة عامة .. وبعضهم يكتب فعلاً !!! .. هذا يعني أنهم ليسو من تلك الفئة الجاهلة

إن افترضت فرضاً جدلياً أن هؤلاء كلهم جهلة ولا ثقافة لديهم ولا لديهم هواية الكتابة الأدبية ولا القراءة كذلك .. فيبقى رغم كل هذا أنهم لا زالوا قراءً .. ورأيهم يهمني فعلاً أهم من رأي أي أحد بل هو ورأي الناقد الذي يرشدي إلى مساوئ أعمالي ومحاسنها يتساوي مع رأي هذا القارئ الذي يشجع ويحمس .. أو يحذر وينبه ؛ إعجاباً بالعمل وجوداً وعدماً


إلى هنا سكتت أم محاسن عن الكلام المباح .. وقالت يكفيكم ما كتبته لكم من كلامٍ حتى الصباح
!!! هذ إن لاح عليكم صباح

انتهيت من تدوينتي وأنتظر رأيكم الشخصي حول القصة هل أعجبتكم ولماذا .. ألم تعجبك ولماذا ؟
الأخوة الذين جاءت سيرتهم في المدونة انتم تعرفون أنفسكم .. لو قراتم هذه التدوينة أتمنى أن أرى تعقيباتكم



أستودعكم الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه

ألقاكم قريباً بإذن الله


تحياتي

الجمعة، ١٤ سبتمبر ٢٠٠٧

ارتجالة ماسنجرية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


<

يااااااااااااااه !!! .. مرّ وقت طويل جداً على آخر تدوينة لي ها هنا .. عموماً سأحاول في الأيام القادمة أن أكون أكثر التزاماً مع هذه المدونة .. و ... أنتظر تعقيباتكم




. اليوم ميعادي مع "قصة تختلف" .. قصة من تأليفي .. أتمنى أن تعجبكم




قصة تختلف

: الإهداء
إليك أنت .. نعم أنت .. وهل هناك غيرك ؟

-1-

البداية


تدور رأسه بزاوية 1985 درجة ليتأكد من أنهم لم يتستيقظوا .. تهبط رأسه لتستقر مكانها .
يعود إلى النقر بأصابعه على لوحة المفاتيح .
تلتفت يميناً لتتأكد من أنه لا أحد هناك .. تعود لمداعبة لوحة المفاتيح أمامها ..

تمر أصابعه بهدوءٍ على الأزرار .. لكي يكتم الصوت علمته لف لوحته بقطعة من القماش .. لكن المشكلة الآن هو أنه لا يدري أي الأزرار يضغط .
"سيحل هذه المشكلة ولن يضيع مجهودها سدى !! ."
هكذا همس وهو يرتدي منظاره الليلي .. ارتدى بذلته الكحلية التي تجعله فاتناً فوق منامته - لا بأس فلا وقت للخلع واللبس - .
بقفزة ماهرة امتطى حصانه الأدهم ، وقفز من النافذة .

أخذ حصانه يعدو ويعدو ويعدو .. تحول حصانه إلى آلة عدوٍ لا هم لها في الحياة سوى العدو والعدو والمزيد من العدو .
جذب معرفة جواده فجأة ولكزه بعنف ليخترق الطريق .. تدوي ألف آلة تنبيه وبوق احتجاجاً لكسره إشارة المرور .
لم يهتم فلكل معركة ضحاياها وهو مصمم ألا يكون من ضحايا هذه المعركة .
عدا حصانه في مواجهة الوحوش الكاسرة - سيارات الميكروباص - والمتوحشون - سائقوها - .. رفس هذه ولكم هذه في أنفها وانحنى في عجالة ليقضي على فك تلك.
لكن ..
تجمعت تلال السيارات حوله لتحكم الحصار .. عندها أيقن أنه هالك لا محالة .

وكأفضل سائقي السيارات في العالم أدار موقد حصانه ليدور حول نفسه دورة منفرجة كاملة .. صهل بعنف وهو يقفز من فوق 204450 سيارة ويتركهم للإصطدام العنيف .

وأخيراً ..
وقف أمام السايبر .. لم يتخيل حصانه أنه وصل إلى هذا الجزء من القصة سليماً .. زفر آهة ملتهبة - كانت الأخيرة - أمسك صاحبه مسدسه بهدوءٍ - لا تترك أحداً خلفك يعلم أسرارك حتى لو كان حصانك - هذه هي القاعدة .. نظر إلى فوهته لم يجد دخاناً يتصاعد منها لينفخه .. قلب مسدسه باحثاً عن ثقبٍ يهرب منه الدخان فلم يجد .. ألقى مسدسه أرضاً وقد ارتسمت معالم السخط على وجهه .

-2-

( سايبر ون)

ركلة أمامية بالقدم اليمنى وكان داخل السايبر .
التفت إليه رواد المكان ..
"لا أجهزة خالية .. عد بعد ساعة"
هكذا هتف به مدير المكان .
كان الجهاز الأول يحتله شابٌ حديث السن .. يضغط على الأزرار بعصبية ليرد على محدثته في برنامج الدردشة .
"بتعمل شات يا صايع" !
دفعة واحدة للشاب أصبح بعدها خارج نطاق الخدمة .
أغلق الجميع صفحات وبرامج الدردشة وأخذوا ينظرون في ترقب إلى مدير المكان .
كان المدير ضخم الجثة .. عريض المكنبين ..عظيم الهامة ويبقى فقط أن أقول أن له شارباً يقف عليه الصقر لتكتمل لك صورته .
"الآن هناك جهاز شاغر"
قالها وهو يحدق ثواني في شاشة الجهاز .. ثوانيّ فقط وذاكرته حفظت له كل التفاصيل .. نزع المقبس بعنفٍ ظاهر وهو يلتفت للرجل .
"ولكنني لم آت للحصول على جهاز".
تطل النظرة المتسائلة من أعين الكثيرين منهم المدير نفسه فيستطرد "لقد أتيت للحصول عليك أنت" .
قالها وهو يشير إلى المدير
"أنا" !!
يقولها المدير بسخرية متعجباً من هذا الصفيق الذي يهدده مباشرة - لابد أنه مجنون - !! .
نظرة التحدي تداولتها العيون وثوانيّ وبدأ الصراع .
-3-

(الصراع )

عندما تهشمت الشاشة الأولى وتناثرت مصدرة شراراتها الكهربائية المزعجة أيقن رواد المكان أن الموضوع لن يكون سهلاً وأن الجري الآن هو "نصف الجدعنة" .. بل هو في الحقيقة "كل الجدعنة" .. وقد صدق من قال "انج سعد فقد هلك سعيد" !.
تدافع الرواد من كل مكان قاصدين كل منفذ يمكن النفاذ منه أو لا يمكن ..
ولقد نجحوا !! .

لابد أن العالم جن هذه الليلة !! .
البعض قال أنه رأه يتحول إلى صاعقة تضرب وجه المدير .. والبعض الآخر يقسم أنه تحول إلى قنبلة انفجرت في معدة المدير .. وغيرهم يثبت بالدليل الدامغ أن أسنان المدير كانت تتطاير في الهواء بدون أي أسباب منطقية .

ولأنني لا أحب الإستطراد في وصف مشاهد القتال .. بدأ القتال وانتهى ؛ هذا ما حدث وما أهتم تماماً أن يصلك .

-4-

(أي عنوان والسلام)

تحرك بهدوء الواثق إلى الجدار الأيمن للسايبر والذي تزينه لوحات فان جوخ .. أمسك بإطار أحدها و ...
"لن تكتشف الزر الصغير المخبأ بمهارة بالغة إلا إذا امتلكت أصابع لص خزائن" .
قالها مدير السايبر بوهنٍ شديدٍ والدماء تنزف منه لتغرق الأرضية الملساء .
جاوبته اللوحة حينما انشقت عن فجوة مستطيلة .
التفت إلى المدير قائلاً بصرامة:
"وماذا بعد؟"
"لاشئ .. يجب أن يتأكد فقط من بصماتي ومن بصمة قزحيتي .. عندها ستكون في المكان الذي تريد أن تكون فيه" ..
هكذا أجابه المدير.
وبنفس اللهجة التي يلقيها مفتشو المباحث للمتهمين قائلين لهم "هل لديك أقوال أخرى؟" .. قال له "ألديك أي معلومات أخرى؟" .
بوهن أشد يجب المدير هذه المرة
"لا .. لا شئ .. فقط ستجده هناك!!"
قالها وانصرف ذهنه في رحلة ربما لن يعود منها ثانية !.

نظر إلى اللوحة بسخرية - نفس النمطية في الأسلوب المتبع - : لوحة بالحائط تحوي زراً سرياً يكفي فقط أن تضغطه ليكشف لك عن مانعٍ يسهل اجتيازه ؛ تقف بعدها أمام ما تريد - كل ما تريد - !!.

كان عليه حمل جثة الضخم ونقلها أمام اللوحة .. لا داعي لك هذه المشقة فحمل شئ كهذا لن يمر بسلام على فقرات ظهره - المسكينة - .. وبمهارة يحسده عليها الجراحين أمسك الخنجر المعقوف المعلق على الحائط وشرع يمارس عمله بهدوء .. كل الهدوء .

انتهى ..
تأمل عمله بإعجاب ..
اليد السمينة ترقد بين يديه .. بينما الحدقة الخاصة بالمدير تستقر بين أصبعين من أصابعه .
الآن يستطيع المرور .. وضع الكف الضخم في مكانه المخصص في اللوحة الظاهرة .. بينما ألقى الحدقة في المربع المستطيل وهو ينتظر النتيجة .

-5-

(ضد الحسد)

بالطبع خرجت النتيجة التطابق .. لماذا تفترض حدوث شئ آخر .. ليست هذه قصة أطفال على أي حال.

أطلق الجهاز أزيزاً خافتاً مع إنطلاقة هادئة للون أخضر غمر سطحه .. انفرجت الأرضية من تحت قدميه في سرعة كاشفة عن فتحة مظلمة .
هوى .. وهوى .. وهوى ..
ممرات متشابكة ومعقدة .. اصطدام عنيف بالجدران .
مر وقت طويل وهو ينزلق وينزلق وينزلق ..
أخيراً ولأنه يدرك أن لكل شيء - كم يقولون - آخر .. ولأنه لا يدري متى يكون هذا الآخر فقد أغمض عينيه واستسلم للنعاس .. سيحتاج إلى الكثير من النشاط عندما يحين وقت النشاط .
استيقظ .. هكذا فجأة فعل !!.
هو شيء اكتسبه من خبرته الطويلة في معاشرة المخاطر .. أحس كأنه المنزلق الأخير .. استعد للنزول في محطته .. نظر في المرآة وهندم ثيابه سريعاً ومر بالمشط على شعره ليتأكد من أنه مصفف كما ينبغي - يجب أن يُرى في أبهى صورة - !.
وكما خمن تماماً انزلق في آخر منعطفٍ ليصل إلى الفتحة التي ألقته خارجها بعتف .. هبط كما علموه تماماً رأسه مرفوع وقدماه في المقدمة ويداه في استعداد تام لتوجيه الضربات .
الهدوء ..
الهدوء هو الذي لف المكان بعبائته .. يجب أن يتأكد من أنه لا خداع في الموضوع .
قلب الغرفة كلها بحثاً عن كاميرات مختبئة أو أجهزة تنصت أو حتى
تلفازأصابه العطب فلم يجد .
وأخيراً وبعد أن غمره العرق وجدها - توصيلة لجهاز الهاتف - .
وبعد بحثٍ آخر سريع أثمر عن استقرار الهاتف بين يديه .. رفع سماعته .. عندما أيقن أن الحرارة موجودة وأن الخط شغال ضغط الأزرار في سرعة .
أطلق تنهيدة ارتياح عندما جاءته النغمة المميزة للخط المشغول .
هذا يعني أنه لا زال هناك أملٌ في النجاح في مهمته .

-6-

(Arabic Transparent )

وحده رآه .
كان منهمكاً في التعامل مع جهاز الكومبيوتر الذي أمامه .. كان يبدو عليه الإندماج الشديد فيما يفعل ؛ لذا لم يشعر به عندما تسلل هو إلى داخل الغرفة .
دارت عينه سريعاً .. لا يوجد أكثر من 254105 فنجان قهوة و 551463 كوب شاي وهو وجهاز الكومبيوتر ومئات الكراتين المصفوفة في ركن الحجرة .
ربت بهدوء على كتف الشاب الجالس فانتفض بعنف والتفت إليه بحدة بالغة .
"شوف إنت خلتني عملت إيه يا غبي إنت ؟".
رغماً عنه دب الرعب في قلبه .. ربما ضغط الرجل زر تفجير المكان خطأً .. أو لربما قام بالضغط على زر إعلان الحرب العالمية الثالثة !!.
نظر إلى الشاشة ..
ضغط زر "مسافة للخلف" .. وعاد ينظر إلى الرجل مرة أخرى .
"رائع !! .. ممكن تعلمني الحركة دي" .
يكرر له الحركة أكثر من مرة فيصفق في سعادة بالغة ...
"كان نفسي من زمان أتعلم الحركة دي !!".
هكذا هتف ووجهه ينطق بالسعادة .. بعدها اكتسى وجهه بالجدية وهو يقول :
"وإنت إن شاء الله تبع مين " .
هذا هو ما يقلقه .. لربما سأله أيضاً عن كلمة السر .
"تكونش تبع "المنقذ" .. عموماً الشغل بتاعكم خلص استلم بقى " .. قالها وهو يقوم من مكانه متجهاً نحو الكراتين .
عندما لمح التردد في وجهه .. ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه وهو يقول :
"مش "المنقذ" .. خلاص تبقى أكيد تبع "المنجز" هم الوحيدين اللي ليهم شغل عندنا النهارة "
قالها وهو يخرج كرتونة من الصف ويبعثر محتوياتها أمامه .
"الورق A4 والطباعة ألوان .. والفونت Arabic Transparent والهوامش متظبطة والخط 14 ؛ يعني من الآخر مخدومين آخر خدمة".
لمح لسانه المعقود .. نبتت بذرة الشك في رأسه وطرحت مسدساً أشهره في وجهه وهو يصرخ :
"إنت مين ياد .. إعترف ؛ جاي تتجسس تبع مين ؟".
منذ أن دخل هذه الغرفة وهذا الشخص يتكلم ويتكلم ويتكلم - لقد أصابه بالصداع - .. وبعد كل هذا الكلام يشهر مسدساً في وجهه .. دار هذا الكلام بذهنه وهو يدور حول نفسه في سرعة ليركل المسدس وتنطلق يده اليمنى في نفس الوقت مهشمة الصف الأعلى من أسنان فكه تتبعها اليسرى لتقوم بمسح بقايا أسنان فكه .
الآن عليه بالصمت قليلاَ ..
"اسمعني كويس .. عايزك في شغل مستعجل وهدفع لك إللي إنت عايزه" .
هكذا قال له في نبرة من يحتاج المعونة.
أخرج الشاب من جيبه طقم اسنان جديد .. وضعه في فمه وقال :
"بس أنا سعري غالي .. على العموم مش هنختلف .. دا إنت بتاعنا برضه".
لملم الأوراق المبعثرة سريعاً .. وضغط "حفظ" .. وانتظر حتى تم إغلاق جهاز الكومبيوتر وقال :
"يللا أنا مستعد .. يللا بينا ".
أخذ نفساً عميقاً .. وقت طويل سيمر حتى يقطع تلك الممرات ثانية .. قفز قفزة هائلة ليتمكن من بلوغ الفتحة .. استنفر عضلات ذراعيه حتى يدفع جسده من خلالها .
والآن عليه فقط أن يحاول التقاط الشاب و ...
"إنت بتعمل إيه؟"
هكذا صاح به الشاب وهو يحرك يديه بعصبية .
"مش هنخرج؟".
أجابه وهو يمد يده إليه ليلتقطه .
"دا باب الزباين .. أما الموظفين فليهم باب مخصوص" .
قالها وهو يفتح الباب المجاور له بهدوء ..
يقفز من الفتحة إلى الأرض .. .. هبط كما علموه تماماً رأسه مرفوع وقدماه في المقدمة ويداه في استعداد تام لتوجيه الضربات .
تبعه في هدوء وهو يحمد الله على وجود مثل هذا النظام (الزبون زبون .. والموظف موظف) .
هاله عندما خرج الكم العظيم من رجال الشرطة والمطافئ والإسعاف والجيش والحربية والمخابرات الذي يعج بهم المكان .
اندفع وراء الشاب وقد هبط قلبه بين قدميه حينما رأى أحد الضباط يتجه إليهم .
راجع كل الدروس الخصوصية التي كان يأخذها وكل المقررات التي سبق وأن درسها لم يجد موقفاً كهذا في المنهج فعلم أنه هالك لا محالة .


-7-

(!!الجمعة - نهاية الأسبوع - )

"إنتم هناك ؛ إنتم مين وإيه اللي جابك هنا ؟".
قفز قلبه من بين قدميه إلى الأرض عندما سمع هذا السؤال فقفز يلتقطه في سرعة .
أشهر الضابط سلاحه وهتف في صرامة :
"إنت مين قوللي .. وإيه اللي في إيدك ده .. إرمي السلاح اللي في إيدك" .
جاوبه الشاب هذه المرة .. وهو يخرج بطاقة بلاستيكية ممغنطة في سرعة ويضعها أمام عين الضابط وهو يقول في صرامة :
"مهمة خاصة .. متكترش في الأسئلة".
شحب وجه الضابط عندما ألقى نظرة سريعة على البطاقة ؛ وقام بأداء التحية العسكرية بحماسٍ بالغ وهو بقول :
"تمام يا فندم".
مرا في هذا الجمع بعد ذلك في هدوء كما يمر السكين في قالب الزبد الطازج ..

صدم سمعه سؤال أحد الصحفيين لأحد المسئولين عن ظاهرة تدمير السايبرات المنتشرة وقتل مديريها .. كاد أن يبتسم عندما أجابه المسئول بأن التحريات أثبتت أن من فعل هذا هو قاتل متسلسل .. وغالب الظن أن الدافع وراء الجريمة هو الإنتقام الشخصي ؛ وحسب رأي الخبراء أنه تعرض للقرصنة من أحد الذين يديرون هذه السايبرات .

عندما خرجا إلى الطريق الرئيسي أعاد قلبه إلى موضعه ليطلق تنهيدة النجاة من أعمق أعماق قلبه .
في الطريق الرئيسي أستوقفا سيارة .. لكمتين فقط بعدها حصلا على جسد فاقد الوعي على قارعة الطريق وسيارة يستقلانها في محاولة للوصول أسرع .

وصلا أخيراً ..
في سرعة ومهارة تسلقا الحائط ليدخلا الغرفة التي كانت غارقة في تلال من الظلام والتي يقطعها ضوء باهت يصدر من شاشة كومبيوتر يظهر شاشة التوقف الخاصة به .
أجلسه على أحد الكراسي المنتشره بالغرفة .. حرك مؤشر الفأرة وكتب كلمة المرور سريعاً ليعود جهازه للعمل في وضعه الطبيعي .
تأكد من أن كل شيء على ما يرام ..
لا زال هناك وقت .
أشار إلى الشاب ليمسك بلوحة المفاتيح وليكتب ما يمليه عليه .. ولكنه توقف للحظه .. هو لا يستطيع أن يأتمن هذا الشاب .. لا يمكن أن يتركه ليكتب ما يجب أن يكتبه .. لكن ما العمل لابد وأن يكتب ما يجب أن يكتبه وقبل أن يكتب لابد وأن يجد طريقة ليقوم بها بالكتابة هذا إذا قرر أن هذا الشاب لن يكتب له ما يجب أن يكتبه .
تدافعت الصور في عقله بسرعة 198648 كيلومتر / الثانية .. استرجع التفاصيل في ذهنه - كل التفاصيل - .. كل كلمة قيلت وكل حدث مر .. كل همسة همسها أحدهم : ماذا قال ومن قال ومتى قال وكيف قال وأين قال !!! .
أضاء الحل في عقله بغتة .. وأضاءت عينه ببريقٍ غامض ..
انقض بعنف على الشاب وهو يهتف "001001" .. لكمة واحدة وأصبح الشاب حيث أراد له أن يكون - بجوار الحائط تماماً - .. استعاد الشاب توازنه سريعاً .. اعتدل في وقفته واتخذ وضعاً قتالياً نادراًً ينم عن احترافه لكنه لم يجد الوقت لإستخدامه .. خرج مجموعة من الخناجر خلفه تماماً واخترقت ظهره بعنف .. وقوة .. وقسوة .
كل العنف ..
وكل القوة ..
وكل القسوة..
الآن عليه فقط التركيز الشديد فيما يفعل .. أحضر الميكروفون وتأكد تماماً من ارتدائه قفازاً حتى لا تصعقه الكهرباء .
بعد أن تأكد من أن الميكروفون متصل بنجاح وضع السماعة بحنان على أذنيه .. وهو يهمس :
"ها قد عدت إليك حبيبتي .. لم تكملي بعد كلامك السابق .. أكملي فأنا معك" .
كان يقول ذلك وهو يسجل بدفتر صغير بين يديه البريد الألكتروني للفتاة التي كانت تتحدث مع الشاب في السايبر .
سيحاول التعرف عليها غداً .. ويا ويلها لو اكتشف أنها "ولد" !!! .

تمت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أتمنى أن تحوز اعجابكم

أستودعكم الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه .. وألقاكم قريباً .

تحياتي